بقلم: فوزيه الهاملي
بالنسبة إلى كثير من النساء الكويتيات، يرتبط المنزل بمعاني الأمان والانتماء والسند، لكن بالنسبة إلى أخريات، قد يتحول المكان الذي يفترض أن يكون ملاذًا إلى مساحة لم يعد البقاء فيها ممكنًا، الطلاق، العنف الأسري، الرفض العائلي، أو فقدان شبكة الدعم؛ أسباب مختلفة قد تضع المرأة أمام قرار لم تتخيل يومًا أنها ستضطر إلى اتخاذه: أن تبدأ حياتها بعيدًا عن منزل الأسرة، وأن تعيش باستقلالية، ولحماية خصوصية المشاركات، استُخدمت أسماء مستعارة بناءً على طلبهن.
تقول نوال (34 عامًا): «لم أكن أبحث عن الاستقلال، كنت أبحث عن الأمان»، لم يكن العيش بمفردها يومًا جزءًا من خطتها، تزوجت نوال في التاسعة عشرة، على أمل أن تجد في الزواج مخرجًا من منزل تقول إنها عانت فيه من إساءة زوج والدتها، لكن الزواج انتهى بعد عام ونصف، وحين حاولت العودة، لم تجد بابًا مفتوحًا أمامها، وتقول: «رفضت والدتي وزوجها استقبالي من جديد»، بدأت بعدها سنوات من التنقل بين منازل الأقارب، من بيت إلى آخر، فيما تقول إن السيطرة على حياتها والاستغلال المالي استمرا بأشكال مختلفة، ومع غياب أسرة تستطيع العودة إليها، لم يكن أمام نوال سوى أن تعيد بناء حياتها بنفسها، أكملت دراستها الجامعية، ثم شقت طريقها في القطاع المصرفي حتى بنت مسيرة مهنية ناجحة. لكن الحصول على وظيفة واستقرار مالي لم يعنيا بالضرورة أن العثور على منزل أصبح أمرًا سهلًا، تكمل قائلة: «رفض أكثر من مالك عقار التأجير لي لأنني امرأة مطلقة أعيش بمفردي»، وفي النهاية، تدخل عمها ووقّع عقد الإيجار نيابة عنها، لتتمكن من الحصول على أول منزل خاص بها، اليوم، وبعد أن تزوجت مجددًا وأصبحت أمًا، تقول نوال إن التجربة تركت لديها فهمًا مختلفًا لمعنى الأسرة، «كل طفل يستحق أن يعرف أن هناك دائمًا مكانًا يستطيع العودة إليه»، لكن قصة نوال لا تتوقف عند حدود تجربة شخصية، بل تكشف جانبًا من الأسئلة القانونية والاجتماعية التي قد تواجه المرأة الكويتية عندما تقرر، أو تضطر، إلى العيش خارج منزل الأسرة.
القانون لا يمنع، لكن المجتمع قد يصعّب الطريق
توضح المحامية فجر الكندري أن القانون الكويتي لا يمنع المرأة الكويتية، سواء كانت غير متزوجة أو مطلقة، من امتلاك عقار أو استئجاره أو العيش بصورة مستقلة، المشكلة، بحسب الكندري، لا تكمن بالضرورة في النص القانوني، بل قد تبدأ عند الانتقال من القانون إلى الواقع، فإمتناع بعض ملاك العقارات عن التأجير لامرأة كويتية غير متزوجة أو مطلقة قد يحول البحث عن مسكن إلى معركة إضافية، حتى وإن لم يكن هناك ما يمنعها قانونًا من السكن بمفردها، ولمالك العقار حق اختيار المستأجر، إلا أن هذه التفضيلات قد تجعل الوصول إلى سكن مستقر أكثر صعوبة بالنسبة إلى بعض النساء، وفي الحالات التي يكون فيها العنف الأسري سببًا في مغادرة المنزل، تشدد الكندري على أهمية اللجوء إلى القنوات القانونية المتاحة، من خلال الإبلاغ عن الاعتداءات، وتوثيق الإصابات طبيًا عند الحاجة، والاستفادة من وسائل الحماية وخدمات الدعم المتوافرة.

لكن السؤال عن مغادرة المنزل لا يحمل إجابة واحدة تصلح لكل الحالات، وتقول استشارية علم النفس د. شاهه التمار إن تجارب النساء اللاتي يعشن باستقلالية لا يمكن اختزالها في صورة واحدة أو حكم واحد، لأن لكل حالة ظروفها وتركيبتها الخاصة، فحين تصبح السلامة الشخصية مهددة، وتفشل المحاولات المتكررة لإصلاح الخلافات الأسرية، ويبدأ الوضع في التأثير في قدرة الشخص على ممارسة حياته اليومية، يصبح من الضروري النظر إلى الحالة ضمن ظروفها الخاصة، بدل التعامل معها وفق قاعدة عامة.
أبرار… البحث عن مكان تنتمي إليه
إذا كانت قصة نوال قد بدأت مع الطلاق، فإن قصة أبرار بدأت قبل ذلك بسنوات طويلة، مع سؤال أكثر عمقًا: أين تنتمي؟ فقدت أبرار، البالغة اليوم 36 عامًا، والديها البيولوجيين في حادث سير وهي طفلة، ثم انتقلت لاحقًا إلى أسرة بالتبني، تقول: «كنت أشعر دائمًا بأنني لا أنتمي»، وتصف والدتها بالتبني بأنها كانت مصدرًا ثابتًا للحب والدعم في حياتها، لكنها تقول إن هذا الشعور لم يمتد إلى بقية الأسرة، حيث لم تشعر يومًا بأنها مقبولة بصورة كاملة، وازداد إحساسها بالغربة بعد تعرضها، بحسب روايتها، لاعتداء جسدي من أحد أعمامها بالتبني، وعندها، اتخذت والدتها قرارًا مختلفًا: بدل إعادتها إلى الرعاية المؤسسية، اشترت لها شقة، ومنحتها فرصة لبدء حياة مستقلة، لكن امتلاك مكان خاص بها لم يكن يعني أن البداية ستكون سهلة، تكمل قائلة: «الوحدة قادتني إلى طريق صعب»، وتوضح أن العزلة أسهمت في دخولها مرحلة من الإدمان، قبل أن تلجأ إلى العلاج بدعم من والدتها وتبدأ رحلة التعافي، وحين تنظر اليوم إلى تلك المرحلة، تختصر ما صنع الفارق بالنسبة إليها في جملة واحدة: «كان هناك شخص رفض أن يتخلى عني»، قصة أبرار تفتح بدورها بابًا على تجربة أكثر تعقيدًا لبعض النساء المتبنيات؛ فعندما تعجز الأسرة التي يفترض أن توفر الاستقرار والانتماء عن أداء هذا الدور، لا يمكن للمؤسسات والقوانين وحدها أن تعوّض كامل الفجوة، قد توفر الرعاية المؤسسية حماية، وقد يوفر القانون الحقوق، لكن الإحساس بأن هناك بيتًا تنتمي إليه يحتاج إلى أكثر من سقف ومكان، وتكشف تجربتها كذلك أن التعافي من أزمة نفسية أو من الإدمان لا يعني بالضرورة انتهاء المعركة، فمرحلة العودة إلى الحياة تحتاج هي الأخرى إلى بيئة تستقبل الشخص بدل أن تدفعه إلى مزيد من العزلة، وتؤكد د. شاهه التمار أن الدعم الأسري يعد من أقوى عوامل الحماية خلال رحلة التعافي، داعية الأسر إلى التعامل مع أبنائها وبناتها بالتفهم والاحتواء النفسي، بدل الهجر أو التخلي عنهم، وفي غياب هذا الدعم، تقول، تصبح عملية التأهيل والعودة إلى ممارسة الحياة الطبيعية أكثر صعوبة.
دلال: «كان عليّ أن أخرج بأمان»
أما دلال (28 عامًا) فلم تبدأ قصتها مع فقد أو طلاق، تقول: «كان الأمر يتعلق بأن أخرج بأمان»، بصفتها الابنة الكبرى، تقول دلال إنها عاشت سنوات في منزل شهد أشكالًا من العنف الجسدي والنفسي واللفظي، فيما كانت تحاول في الوقت نفسه حماية إخوتها الأصغر، «بقيت لأنني لم أرد أن أترك إخوتي خلفي»، لكن خلافًا عائليًا بشأن قرار شخصي اتخذته أدى، بحسب روايتها، إلى تصاعد العنف بشكل كبير، وانتهى بتدخل الشرطة وبدء إجراءات قانونية، بعد تلك الحادثة، لم يعد بإمكانها البقاء في منزل الأسرة، وبين ليلة وضحاها، وجدت نفسها أمام مهمة البدء من جديد، في وقت لم يكن لديها فيه دخل ثابت، ولم يكن العثور على مسكن سهلًا، تتحدث عن معاناتها في هذا المجال قائلة: «بعض ملاك العقارات لم يرغبوا في التأجير لامرأة كويتية تعيش بمفردها»، ومع ذلك، فإن الخروج من المنزل لم يُلغِ تعلقها بعائلتها، «كنت أفتقدهم كل يوم. كنت أشتاق إلى إخوتي، وكنت أتمنى لو كانت الأمور مختلفة»، ومع مرور الوقت، أدركت دلال أن الابتعاد لحماية نفسها لا يعني إغلاق الباب أمام المصالحة إلى الأبد، فبحسب دلال: «كانت المسافة ضرورية قبل أن يبدأ التعافي».

حين تكون الأسرة خط الدعم الأول
وبالنظر إلى التجارب الثلاث مجتمعة، ترى د. شاهه التمار أنه لا يمكن فصلها عن طبيعة المجتمع الكويتي والخليجي عمومًا، فالمجتمعات الخليجية، كما تصفها، تقوم على قدر كبير من التكافل والترابط الأسري، حيث شكّلت الأسرة تاريخيًا المصدر الأول للدعم النفسي والعملي، بخلاف مجتمعات أكثر فردانية تضع استقلال الشخص في مركز الحياة الاجتماعية، ولهذا، ترى التمار أن الأسرة يجب أن تظل خط الدعم الأول لبناتها، ولا سيما في أوقات الأزمات، فحين يكون المنزل مساحة للأمان والتفهم والاحتواء النفسي، يبقى ـ في رأيها ـ البيئة الأكثر استقرارًا وصحة بالنسبة إلى معظم الأشخاص، لكن عندما تغيب هذه العناصر، لا يعود من الممكن الحكم على جميع الحالات بالمعيار نفسه، عندها، تصبح سلامة الشخص النفسية والجسدية، وقدرته على ممارسة حياته بصورة طبيعية، جزءًا أساسيًا من تقييم ما يحتاج إليه، وبالتوازي مع الحماية القانونية، يوفر النظام الإسكاني في الكويت برامج تمويل ورعاية سكنية لفئات مستحقة من النساء وفق شروط وضوابط محددة، ضمن محاولات مؤسسات الدولة للاستجابة لاختلاف الظروف الاجتماعية، في النهاية، لا توجد قصة واحدة خلف المرأة التي تعيش بعيدًا عن منزل أسرتها، خلف كل باب مغلق ظروف مختلفة، وخيارات لم تكن دائمًا خيارات بالمعنى الكامل للكلمة، يؤكد المختصون أهمية الأسرة باعتبارها خط الدعم الأول، ويوفر القانون وسائل للحماية حين تصبح السلامة مهددة، فيما تقدم مؤسسات الدولة أشكالًا من الدعم وفق أطر وشروط محددة، أما المجتمع، فدوره لا يبدأ بالحكم على المرأة التي تعيش وحدها، بل بمحاولة فهم القصة التي أوصلتها إلى هناك، فبعض النساء لا يبحثن عن الابتعاد عن أسرهن، بقدر ما يبحثن ببساطة عن مكان يشعرن فيه بالأمان.