حاوره: حسين سنا
قد تبدو الدراسات الأكاديمية معزولة في أبراج عاجية ومنفصلة عن الواقع، ويكثر تيه الباحثين في جمال الأبحاث التي يعملون عليها وانغماسهم في أسئلة محيرة بعيدة عن هموم الشارع والسوق والميادين العامة، بلغ الأمر بهذه الظاهرة أن تنقسم النظريات في العلوم السياسية -مثلا- بين ما هو نقدي وبحثي بالدرجة الأولى critical theory وما هو موجه لحل مشكلات السياسة وإتاحه الحلول للساسة عبر مستشاريهم وخبرائهم problem-solving theory.
وفي الوقت الذي يبدو فيه الحوار هنا مجرد حديث حول ورقة بحثية أخرى تضاف إلى وفرة الإنتاج الأكاديمي في زمن وفرة المعلومات وضوضائها، إلا أنه يفتح بابا لفهم العلاقة المتشابكة بين المعرفة والسلطة وبناء الدولة في العالم العربي الحديث، وذلك عبر بحثه حول أول ترجمة عربية لكتاب “الأمير” لمؤلفه نيقولا مكيافيللي، أحد أهم المؤلفات الكلاسيكيات والواقعية السياسية.
يعود الأستاذ عبدالعزيز العتيبي إلى لحظة مفصلية من تاريخ مصر والمنطقة العربية في عهد محمد علي باشا، مؤسس مصر الحديثة على أنقاض المماليك، في زمن لم تكن الترجمة فيه نشاطا معرفيا بحتا، بقدر ما كانت جزءا من مشروع سياسي واسع لإعادة تشكيل الدولة والجيش والإدارة والسياسة.
يكشف الحوار عن تحولات الفكر السياسي العربي في القرن التاسع عشر ومحاولات نقل مفاهيم من قبيل «الدولة» و«السلطة» و«الوطن» إلى العربية في سياق لم تكن فيه هذه المصطلحات قد استقرت بعد بمعانيها الحديثة، كما يتناول القصة وراء اكتشاف الترجمة المنسية، والدلالات التي حملها اختيار اللغة العربية بدلًا من التركية العثمانية، في خطوة بدت وكأنها محاولة لجعل السياسة “مقروءة” ومفهومة أمام نخبة جديدة من الإداريين والمتعلمين.
يمتد الحوار إلى أسئلة علاقة المعرفة بالسلطة، و استخدام الدول الحديثة للترجمة والتعليم والطباعة كأدوات لنشر النفوذ وإدارة المجتمع، يقارن الحوار بين مكيافيلي وابن خلدون كما حلا لمحمد علي باشا أن يفعل، ويعيد القراءة الدائمة بين التراث السياسي الإسلامي وتجارب التحديث ، إلى حين خروجنا من معضلات التنمية والتقدم والنهضة.
المدخل
قبل الدخول في النقاش، ما هي مسيرتكم العلمية والأكاديمية؟
حالياً أحضر للدكتوراه في العلوم السياسية في جامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة. قبل ذلك، أتممت درجة الماجستير في جامعة كامبردج أيضاً في العلوم السياسية، حيث كانت رسالتي المقدمة عن دراسة مفهوم التغلب في الفكر السياسي الإسلامي من جهة تلقيه في الترجمات اليونانية عن أرسطو، ومن جهة أخرى عن فهمه المحلي عند المسلمين آنذاك. وتدور أبحاثي عموماً حول تاريخ الفكر السياسي الغربي و الإسلامي، وتقاطعات الترجمة وتاريخ المفاهيم مع تشكل الدولة والسلطة في الحضارة الإسلامية. نشرت أوراقي البحثية مراجعةً في مجلات كـدراسات المخطوطات (Manuscript Studies) ودورية كامبردج للشؤون الدولية (Cambridge Review of International Affairs)، وأخيراً هذه الورقة عن الترجمة العربية الأولى لمكيافيلي في المجلة النقدية للفلسفة الإيطالية (Giornale critico della filosofia italiana). درست وألقيت محاضرات في جامعة كامبردج وجامعة بنسلفانيا، وشاركت بأوراق وأبحاث في الجمعية الأمريكية للعلوم السياسية (APSA) ومؤتمر هارفارد السنوي للفلسفة الإسلامية وغيرها. وإلى جانب عملي الأكاديمي، أعمل أيضاً في مجال الدراسات والسياسات العامة، كرئيس لوحدة الشؤون السياسية في مركز ريكونسنس للبحوث والدراسات في الكويت، مع اهتمام خاص بسياسة الشرق الأوسط، وتحولات الدولة في المنطقة العربية والإسلامية.
لماذا قررتم كتابة هذه الورقة والخوض في هذا البحث؟ ما الهدف منها وما الجديد فيها؟
يقال في تاريخ الأفكار السياسية أن جُل ما أتى بعد أفلاطون هو مجرد حواش وهوامش عليه، وهذه المقولة وإن كانت مبالغة لا تخلوا من شيء من الحق، إلا أنها قد تصدق بشكل أكبر على المؤلف الذي كانت هذه الورقة مرتبطة به وهو مكيافيلي. فتاريخ الفكر السياسي وبالذات الغربي منه، بل وحتى الشرقي الحديث، لن يكون هو من دون مكيافيلي. وهذا أمر مستقرعليه في أغلب أبحاث وكتابات المتخصصين في الفكر السياسي والفلسفة الحديثة، من غرامشي، و ألتوسير و برلين و آرنت، وسكينر وشميت وغيرهم. فكيف إذا صار السؤال الآن عن مكيافيلي في مصر في لحظة التحديث؟ أما السبب الآخر فهو دور الترجمة في إنارة و إيضاح الأفكار، فالترجمة كالمختبر، تظهر فيه حدود المفاهيم وإمكاناتها، وتنكشف عبره التحولات الفكرية والسياسية التي تصاحب انتقال النصوص بين اللغات والعوالم المختلفة. وهذه المسألة ليست بالغريبة في تاريخ الأفكار عموماً وخصوصاً تاريخ الأفكار في السياق الإسلامي، فهناك نصوص أدعت أنها ترجمات وفيها نسخ أخرى من مؤلفيها غير تلك التي ألفها القارئ من كتاباتهم الأخرى، على سبيل المثال ولعدم الإطالة: كتاب السياسة في تدبير الرئاسة أو المعروف بعنوانه المختصر «سر الأسرار» المنسوب لأرسطو وهو رسالته لتلميذه فاتح العالم الإسكندر المقدوني. فأرسطو هناك مختلف كلياً عن أرسطو في كتبه الأخرى صحيحة النسبة إليه، ككتاب السياسة، فمثلاً هناك نجد نوعاً من بخس حق الأمم الأخرى، كالفرس، أعداء اليونانيين القدماء، بينما في كتابه هذا (وهو منحول عليه) نجده يعلي من شأنهم ويرفع من قدرهم من جهة علمهم السياسي وحذق تدبيرهم. وكتاب سر الأسرار هذا أيضاً «ترجمة» لأعمال أخرى، أو هكذا ادعى مترجمه يوحنا بن البطريق، و للإستزاده عن سر الأسرار يمكن للقارئ المهتم أن يرجع إلى ما كتبته عنه في ورقة «ما هو سر الأسرار؟ [1]» المنشورة مع مجلة دراسات المخطوطات. ومن هنا تحاول هذه الورقة أن تدرس أول ترجمة عربية للأمير لا كنقل لغوي بحت، بل بوصفها حدثاً فكرياً وسياسياً يكشف شيئاً من علاقة مصر الحديثة بمسألة الدولة والسلطة والسياسة.

ما القصة خلف البحث؟ كيف اكتشفت وجود هذه الترجمة العربية المنسية لكتاب الأمير لماكيافيللي؟
سؤال رائع! العمل مع المخطوطات والتراث القديم هو حقاً كالعمل في مغارة كنز قديم منسي، لا تعلم ما الكنز التالي الذي ستقف عليه! أما قصة هذه الورقة، فهي أني كنت مهتماً منذ قديم ولازلت بمسألة التلقي بين الثقافات. ما مرادي هنا؟ مثلاً كتاب كالسياسة لأفلاطون–المترجم خطأ بالجمهورية– إذا قرأناه في سياقه ولغته سنستنبط بعض الأمور، وهي مثلاً ما فهمه أهل ذاك الزمان والسياق. أما إذا أردنا أن ندرك صدى الكتاب في ثقافات أخرى فعلينا أن ندرس تلقيه فيها، واللغات والسياقات التي ترجم لها. فهنا مثلاً ندرك أهمية شخصية كالفارابي في «أسلمة» –إن صح الإستعمال هنا– أفلاطون في محيط مسلم، فيصير الفيلسوف-الملك عند أفلاطون النبي-الإمام أو الملك على الحقيقة عند أبو نصر الفارابي. والمقام يطول على تفصيل هكذا مسائل، إلا أن العرض يفي بالمطلوب وهو إيضاح دور التلقي في فهم الأفكار والفلسفات، حيث تظهر أبعاد ومفاهيم أخرى غير تلك التي في النص الأصلي عند مؤلفه. فرغبتي بدراسة تلقي كتاب كالأمير في السياق العربي المسلم هو ما دفعني للنظر بالمسألة، خصوصاً وأن هناك تشبعاً بالبحوث عن تلقي مكيافيلي في السياقات الأوروبية، إلا أننا لا نجد مثل هذه البحوث في الدراسات العربية والإسلامية عموماً، مع أن الكتاب قد ترجم بعضه إلى التركية العثمانية في القرن الثامن عشر وقد ترجم كذلك إلى الفارسية والعربية وهو ما أرادت هذه الورقة دراسته. ثم رأيت أن الجمعية الأمريكية للدراسات الإيطالية (AAIS) كانت قد أعلنت قبل عامين عن أن مؤتمرها القادم سيكون في جامعة بنسلفانيا حيث أحضر للدكتوراه فرأيتها فكرة ممتازة للمشاركة بالورقة مع جمهور عالم ومهتم.
ما أول ما لفت انتباهك في هذه الترجمة؟
من أوائل ما لفت انتباهي في الترجمة هو الطريقة التي لقب فيها المترجم، الراهب رفائيل زخور، المؤلف مكيافيلي بأن سماه «ابن البلد» فهذه العبارة الصغيرة تكشف أن المترجم، الراهب رفائيل زخور، لم يكن يتعامل مع مكيافيلي بوصفه كاتباً غريباً تماماً عن الأفق المصري المحلي، بل ككاتب يمكن إدخاله إلى العربية والتعامل معه بلغتها ومفاهيمها السياسية نفسها. ومن أوائل ما لفت انتباهي أيضاً أن الترجمة، رغم كونها مبكرة جداً، لم تكن ترجمة حرفية جامدة، على خلاف ما قال بعض الدارسين، بل محاولة واعية لصنع لغة سياسية عربية جديدة. فتجد زخور يتردد بين ألفاظ مثل «الدولة» و«الحكم» و«الوطن»، وكأنه يختبر اللغة نفسها وهو يترجم. كما لفت انتباهي حرصه الشديد على الوضوح، حتى إنه يقول في المقدمة إنه أراد أن يجعل النص «بيّناً واضحاً» وهو أمر مهم لأن الورقة تحاول أن تبين كيف أن الترجمة هنا لم تكن مجرد نقل كلمات، بل جعل السياسة نفسها مبينة، و قابلة للقراءة والفهم.
هل لها أي ارتباط بما يدور في منطقتنا سواء على المستوى المحلي أو الاقليمي من توترات دائمة ترتبط عادة بالسياسة والواقعية السياسية؟
طبعاً، هذا يدل على أن الإهتمام بالترجمة والثقافة والمعارف ليس أمراً تم في العصر العباسي وانقضى كما هو التصور الشائع هذه الأيام. بل الحق أن التوجيه السياسي للترجمات لا يكاد ينقطع في أي مرحلة من التاريخ السياسي للمجتمعات المسلمة. فنجد حركات ترجمة لا حركة واحدة! على سبيل المثال لا الحصر، لدينا الآن في المملكة العربية السعودية هيئة الأدب والنشر والترجمة ومبادرات مثل «ترجم» الهادفة إلى إثراء المحتوى العربي بالمعارف العالمية ونقلها إلى العربية ضمن مشروع ثقافي أوسع. وفي أبوظبي لدينا مشروع «كلمة» الذي تأسس بهدف إحياء حركة الترجمة في العالم العربي، وصار من أكبر مشاريع الترجمة المؤسسية العربية المعاصرة. وفي قطر لدينا «جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي»، وهي من أكبر الجوائز العالمية في مجال الترجمة. وفي الكويت سلسلة «عالم المعرفة» التابعة للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وهي سلسلة بدأت منذ سنة 1978 وما تزال إلى اليوم من أهم المشاريع العربية في نقل الفكر العالمي إلى العربية وربط القارئ العربي بالأفكار العالمية.
هذا كله من الوقت الحالي، ومن الزمان السالف لدينا حركة محمد علي التي درست هذه الورقة إحدى إنتاجاتها، وهي ترجمة كتاب الأمير. ولدينا أيضاً حركة الترجمة المغولية، خصوصاً في عهد الإمبراطور أكبر، حيث أُنشئ «مكتب خانه» لترجمة النصوص السنسكريتية الكبرى إلى الفارسية ضمن مشروع سياسي وثقافي إمبراطوري واسع، هدفه إعادة تشكيل المجال الإمبراطوري وربط جماعاته المختلفة بلغة وثقافة سياسية مشتركة، وحركات الترجمة العثمانية، خاصة في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، حين تُرجمت كتب السياسة والإدارة الأوروبية إلى التركية العثمانية في سياق الإصلاحات العسكرية والإدارية.
ولهذا فالتاريخ يعلمنا أن الترجمة ليست ترفاً ثقافياً، بل من أدوات بناء السلطة نفسها. فما من دولة أرادت أن تجدد إدارتها، أو توسع أفق معرفتها، أو تعيد تشكيل موقعها في العالم، إلا وعادت إلى الترجمة بوصفها استثماراً في العقل والسياسة معاً.
لماذا قررت النشر في هذه المجلة العلمية وما قيمتها؟
بعد أن شاركت في مؤتمر الجمعية الأمريكية للدراسات الإيطالية (AAIS) ببحث كان هو نواة هذه الورقة المنشورة الآن، تواصل معي محررو المجلة النقدية للفلسفة الإيطالية (Giornale critico della filosofia italiana) معجبين بالمحتوى ومريدين لتطويله إلى ورقة تنشر معهم بعد التحكيم من متخصصين آخرين. فسعدت بلطفهم وتشرفت بهذه العناية ووافقت على النشر معهم. خصوصاً و أن المجلة النقدية للفلسفة الإيطالية تُعد بين الدارسين والمهتمين بتاريخ الفلسفة من أقدم وأعرق المجلات الفلسفية المتخصصة في أوروبا، إذ تأسست سنة 1920 على يد الفيلسوف الإيطالي الشهير جيوفاني جنتيلي. وقد ارتبطت المجلة منذ بداياتها بتاريخ الفلسفة الأوروبية وعصر النهضة الإيطالية، وتعاقب على تحريرها والكتابة فيها عدد من كبار المؤرخين والفلاسفة الإيطاليين مثل أوجينيو غارين، المؤرخ المعروف لعصر النهضة الإيطالية، ودليو كانتيموري، وجورجو باسكوالي، وأوغو سبيريتو وغيرهم. كما حافظت المجلة عبر أكثر من قرن على سمعتها الأكاديمية بوصفها منبراً للدراسات الفلسفية الدقيقة والتحقيقات الفكرية الرصينة، حتى غدت من المجلات المرجعية في تاريخ الفلسفة الإيطالية والأوروبية. ولذلك رأيته مناسباً أن تنشر ورقة كهذه تتناول أولى التلقيات العربية الحديثة لمكيافيلي في مجلة إيطالية ارتبط تاريخها نفسه بتاريخ دراسة الفكر الإيطالي ومكيافيلي.

حول محمد علي باشا
هل تعتقد أن محمد علي باشا اهتم أصلاً بقراءة أفكار ماكيافيللي؟ أم أنه كان يمارسها دون عودة للنظريات؟
أعتقد أن المسألة معقدة ولا زالت بحاجة إلى بحث أكثر وأعمق في المصادر. إلا أننا هنا نكتفي بالعودة إلى كلام المراجع والمؤرخين للمرحلة، وأبرزهم د. خالد فهمي، الذي يصور محمد علي لا بوصفه فيلسوفاً سياسياً يجلس لقراءة النظريات المجردة، بل بوصفه رجل دولة شديد البراغماتية والانشغال بتقنيات الحكم والإدارة والعسكر وتوازنات القوة داخل الدولة العثمانية وخارجها. فمحمد علي عند فهمي كان حريصاً على جمع الخبرات والمهارات والعلوم أينما وجدها، وأحاط نفسه بالمترجمين والخبراء والإداريين القادرين على خدمة مشروعه السياسي والعسكري. ولهذا فالأغلب عندي أن محمد علي لم يكن مهتماً بمكيافيلي بوصفه منظّراً للفلسفة السياسية بقدر ما كان مهتماً بما يمكن أن يقدمه الكتاب من معرفة عملية تتعلق بالدولة، والعسكر، وإدارة الرجال، وتثبيت السلطة. وهذا ينسجم أيضاً مع ما يقوله خالد فهمي وغيره من أن مشروع محمد علي الإصلاحي لم يكن مجرد تقليد أعمى لأوروبا أو افتتان نظري بها، بل كان مشروعاً عملياً انتقائياً يستعير من الفرنسيين والعثمانيين وغيرهم ما يراه نافعاً لبناء القوة وإعادة تنظيم الحكم.
ولعل هذا هو السبب في أن سؤال «هل قرأ مكيافيلي؟» قد يكون أقل أهمية من سؤال آخر: هل كان يفكر ويمارس السياسة في عالمٍ أصبحت فيه هذه المعارف السياسية والعسكرية الجديدة جزءاً من أدوات الحكم الحديثة؟ والأرجح أن الجواب هنا نعم.
أليس من الأدق وضع سياسات محمد علي في إطار نظريات الحداثة والتحديث بدلا من حصرها في أفكار ماكيافيللي؟ ألا يؤدي وضعها في سياق ميكيافيللي إلى ترك بعض السياسات خارج الإطار الماكيافيلي-الواقعي (مثلا التأثر بأفكار التنوير وإرسال البعثات الدراسية والعسكرية لأوروبا لاكتساب الخبرات)؟
نعم، وأظن أن هذا السؤال مهم وفي محله. فالورقة لا تحاول أن تختزل محمد علي في كونه «حاكماً ماكيافيلياً»، ولا تدّعي أن سياساته يمكن تفسيرها فقط من خلال الأمير أو من خلال الواقعية السياسية بمعناها الضيق. فمشروع محمد علي أعقد من ذلك بكثير، وهو يرتبط بلا شك بمسائل الحداثة والتحديث، وبالجيش، والتعليم، والبعثات، والإدارة، والاقتصاد، وإعادة تشكيل الدولة نفسها.
بل إن ما يضيفه مؤرخون مثل خالد فهمي هنا مهم جداً، إذ ينبهنا إلى أن محمد علي لا ينبغي أن يُقرأ فقط بوصفه «مؤسس مصر الحديثة» بالمعنى القومي المخترع اللاحق، بل بوصفه والياً عثمانياً طموحاً أراد أن يبني جيشاً وإدارة واقتصاداً يثبت بها حكمه الشخصي ويضمن بها الوراثة لأسرته. ولذلك فالسياق الأوسع ليس مكيافيلي وحده، بل بناء القوة، ومركزية الدولة، وتحويل الجيش والإدارة إلى أدوات ضبط وتنظيم وحكم، وهي مسائل كان لمكيافيلي صلة وثيقة بها، لأنها هي هي عالمه الذي كان يكتب فيه الأمير، عالم الأمراء والولاة المحليين الطموحين.
ولذلك فالمقصود من التركيز على ترجمة الأمير ليس القول إن مكيافيلي «يفسر» محمد علي كله، بل إن هذه الترجمة تمنحنا نافذة صغيرة، لكنها لا تخلوا من دلالات، لفهم علاقة الدولة الحديثة الناشئة بالمعرفة السياسية والترجمة والسلطة. فالورقة لا تدرس «تأثير» مكيافيلي المباشر بقدر ما تدرس ماذا يعني أن يُترجم كتاب كهذا في تلك اللحظة بالذات، ولماذا يُترجم ثم لا يُنشر على نطاق واسع.
ومن هنا فالسؤال عندي ليس: هل كان محمد علي ماكيافيلياً أم لا؟ بل: ماذا تكشف لنا هذه الترجمة عن طبيعة مشروع الدولة الحديثة نفسه، وعن علاقتها بالمعرفة، وعن الحدود التي أرادت الدولة أن تنقل عندها المعرفة الأوروبية دون أن تطلقها بالكامل؟ ولهذا فالورقة أقرب إلى دراسة في تاريخ المفاهيم والترجمة والسلطة، منها إلى محاولة ردّ سياسات محمد علي كلها إلى مفكر أوروبي واحد.
هل يمكننا أن نفترض أن محمد علي باشا حاول أن يوازن مسار التحديث وبناء الدولة دون إطلاقه على عنانه ليمنع انهيار الدولة؟
لا أقول إن محمد علي كان «يوازن التحديث» لخوف من انهيار الدولة، كأنه صاحب فلسفة ليبرالية في الإصلاح المتدرج، بل الأظهر أنه كان يريد تحديثاً مضبوطاً من أعلى، يخدم الجيش والإدارة والتوسع، ولا يتحول إلى قوة اجتماعية أو سياسية خارجة عن يده. وهذا ما تقويه أبحاث المؤرخ د.خالد فهمي، فجيش محمد علي لم يكن مجرد مؤسسة تحديثية أو وطنية، بل كان أداة جديدة من أدوات الضبط والمراقبة وإعادة تشكيل علاقة الدولة بالسكان. أي أن التحديث هنا كان بناء لسلطة محمد علي بقدر ما كان بناء للمؤسسات. كما أن فهمي يلحّ على أن محمد علي لم يكن يعمل أساساً لتحرير مصر أو بناء دولة وطنية بالمعنى اللاحق، لأن هذه القراءة القومية مفارقة تاريخية أصلاً، بل لتثبيت سلطته وحكم أسرته داخل السياق العثماني.
ويضيف بعض المؤرخين بعداً آخر: إذا نظرنا إلى مشاريع محمد علي الأخرى، فمشروعه في السودان لم يكن مجرد توسع عسكري، بل كان مصحوباً بإنتاج «معرفة» وخرائط ورحلات وتقارير، أي أن الدولة كانت «تعرف» لكي تحكم وتتوسع. وهذا مهم للسؤال، لأن التحديث لم يكن عنده تحريراً للعقل و للمعرفة، وهي المعاني المرتبطة بفكرة الحداثة، بل معرفة موظفة في مشروع الدولة والإمبراطورية. ومن هنا تصبح ترجمة الأمير مثالاً دقيقاً: الدولة تريد المعرفة الأوروبية، لكنها تريدها نافعة ومضبوطة ومحدودة التداول. فالخطر لم يكن في التحديث نفسه، بل في أن تصير بعض المعارف السياسية أداة لفهم السلطة وكشف منطقها. ولذلك أقول: نعم، كان مشروع محمد علي تحديثاً محسوباً من داخل الدولة ولأجل الدولة، لا تحديثاً مفتوحاً على المجتمع بلا قيد.
هل كان ميكافيلي يعتبر مفكرا خطيرا أخلاقياً وسياسياً كما نعرفه اليوم؟
الحق أن شخصية ميكافيلي فكرياً من أمتع الشخصيات التي قد يدرسها القارئ المهتم، وذلك لأمور من أبرزها الشتات والتنوع الكبير في تلقيه في حياته وفي مماته! هناك أبحاث كثيرة درست وركزت على هذه النقطة تحديداً، ويبدو بحسب الكثير منها، أن الصورة التي نعرفها اليوم لم تكن جديدة أو غريبة حتى في عصر ميكافيلي وبعده. فالرجل كان، كما وصفه بعض الباحثين، «مفكر الألف وجه»، حتى إن صورته الفكرية بدت دائماً قابلة لأن تُقرأ بطرق متناقضة تماماً.
فمن جهة، تحوّل اسمه في الأدب الأوروبي إلى رمز للمكر والخداع والشر السياسي، حتى إن شكسبير نفسه استعمل صورة «Machiavel» بوصفها مثالاً للرجل المحتال المتآمر، ورسخت حوله ما يسميه الباحثون «الأسطورة السوداء». بل إن كثيراً من الأقوال المنسوبة إليه، مثل «الغاية تبرر الوسيلة»، ليست موجودة أصلاً في كتبه.
ومن جهة أخرى، قرأه بعض معاصريه، كغويتشارديني، بوصفه مفكراً جمهورياً عظيماً وكصاحب أفكار جديدة وغير مألوفة. ثم جاءت قراءات لاحقة جعلت منه منظر الواقعية السياسية الحديثة، أو حتى «غاليلو السياسة»، بينما ربطه آخرون بالسلطوية الحديثة والواقعية المحضة وانعدام المبادئ في سبيل تحقيق بقاء السلطة.
ولهذا فدراسة ميكافيلي ليست دراسة كاتب واحد بقدر ما هي دراسة لكيفية تغير صورة المفكر الواحد عبر العصور، حتى صار كل عصر تقريباً يعيد اختراع ميكافيلي على صورته هو.
كيف تكشف لنا هذه القصة عن علاقة الترجمة بالسلطة في عصر النهضة العربية؟ وما الإسقاطات التي نستفيد منها في علاقة المعرفة بالسلطة اليوم؟
هذا سؤال مهم، إلا أن الجواب الدقيق عليه يحتاج في الحقيقة إلى دراسة شاملة لكل ما تُرجم في عصر محمد علي، لا إلى الوقوف عند ترجمة الأمير وحدها. ولذلك فكل ما يمكن أن يقال هنا يظل جواباً جزئياً ينطلق من هذه الترجمة بوصفها مثالاً ودلالة جزئية، لا بوصفها الصورة الكاملة لحركة الترجمة في ذلك العصر.
لكن حتى من خلال هذه الحالة وحدها، يظهر لنا بوضوح أن الترجمة في ما سمي لاحقاً بـعصر النهضة العربية لم تكن مجرد نشاط ثقافي بريء أو معزول عن الدولة، بل كانت جزءاً من مشروع سياسي وإداري وعسكري أوسع. فالدولة كانت تريد نقل العلوم والمعارف الأوروبية لأنها رأت فيها أدوات للقوة والتنظيم وبناء الجيش والإدارة الحديثة، لكنها في الوقت نفسه لم تكن تريد دائماً أن تنتقل هذه المعارف بلا حدود أو بلا ضبط.
ومن هنا تظهر العلاقة المعقدة بين المعرفة والسلطة: فالسلطة تحتاج إلى المعرفة لكي تقوى، لكنها تخشى أحياناً من بعض نتائج هذه المعرفة نفسها إذا صارت متاحة على نطاق واسع. ولهذا فالقصة لا تعلمنا فقط شيئاً عن محمد علي أو عن مكيافيلي، بل عن طبيعة الدولة الحديثة عموماً؛ إذ إن المعرفة كثيراً ما تكون في الوقت نفسه أداةً للتمكين وأداةً لإنقلاب الحال معاً.
ولعل ما يميز الدولة الحديثة تحديداً هو أن علاقتها بالمعرفة أصبحت أعمق وأكثر شمولاً من الدول السابقة؛ لأنها كيان يقوم أصلاً على الإدارة والتنظيم والإحصاء والتعليم العام والجيش النظامي والبيروقراطية، أي على إنتاج المعرفة بالمجتمع وإدارته بصورة مستمرة. ولهذا فهي تحتاج إلى الترجمة والعلوم والمعارف الحديثة لكي تبني نفسها، لكنها في الوقت نفسه تصبح أكثر حساسية تجاه المعارف التي قد تجعل السلطة نفسها «مقروءة» أكثر مما ينبغي، أو تكشف آليات الحكم والتعبئة والسيطرة على نطاق واسع.

أول ترجمة عربية: ترجمة رفايل زخور لكتاب الأمير
البحث يطرح فكرة إن الترجمة كانت “واضحة أكثر من اللازم” ما المقصود بسياسة “الوضوح” أو “legibility” ؟
من المعتاد أن يقف المرء في التراث القديم، ما قبل الحداثي، على فكرة أن المعرفة ليست للجميع، وأن الإغماض أحياناً كثيرة متعمد ومطلوب، كيلا يصل إلى المعرفة والحكمة من ليس أهلاً لهما، وتجد ذلك حتى في بعض الأثار الدينية، كقول ابن مسعود الصحابي الجليل رضي الله عنه: «ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة»، وحتى ميكافيلي نفسه يستعمل عدم الوضوح والتورية في بعض كتاباته فتجده في الأمير يلقب بعض القادة بأنهم أمراء وفي كتب أخرى، كالمطارحات على ليفي، يلقبهم بـ المتغلبين السفاحين.
إلا أن هذه الترجمة، على خلاف كثير من تقاليد الترجمة القديمة التي كانت تسمح بالإضمار والتورية والتصرف البلاغي، اتجهت إلى نوع من الكشف المباشر للنص، وكأن الغاية لم تعد إنتاج أدب عربي رفيع، بل جعل المعنى السياسي قابلاً للالتقاط والإدارة والتداول بأكبر قدر من الوضوح، وهو عينه ما صرح به المترجم في مقدمة الترجمة. ولهذا لاحظت ماريا نلينو أن المترجم كان أسيراً للأصل الإيطالي، يترجمه تقريباً كلمةً بكلمة، غير مبالٍ بالبناء العربي المعهود، حتى بدت الترجمة أحياناً غريبة. غير أن هذه الركاكة نفسها تكشف تحوّلاً مهماً: لم يعد النص موجهاً إلى نخبة تتذوق التصوير البلاغي، بل إلى جهاز إداري ناشئ يريد لغة مباشرة قابلة للاستعمال السياسي والتعليمي.
كيف تعاملت الترجمة العربية المبكرة مع مفاهيم سياسية معقدة عند مكيافيلي مثل “الدولة” و“السلطة” و“المجد”؟ وهل كان في ذلك شيء يعتبر خطوة جديدة وقتها؟
نعم، لأن العربية في ذلك العصر لم تكن قد استقرت بعد على مرادفات حديثة واضحة لمفاهيم من هذا النوع. ولذلك نرى زخور يتنقل بين ألفاظ متعددة بحسب السياق، فيترجم «stato» الإيطالية أحياناً بـ«الدولة»، وأحياناً بـ«الحكم» أو «الوطن»، محاولاً التقاط الفروق الدقيقة في كلام مكيافيلي نفسه. وكذلك في مفاهيم مثل «المجد» و«السلطة»، إذ لم تكن الترجمة مجرد نقل لغوي، بل مساهمة مبكرة في تشكيل معجم سياسي عربي حديث قادر على التعبير عن مفاهيم السيادة والحكم والشرعية بصورة جديدة. وزخور ذاته رجل معجمي، فهو مؤلف أول مطبوع في بولاق وهو قاموس إيطالي-عربي. الخلاصة: دولة جديدة، إذاً لغة سياسية جديدة.
إلا أن قلة عدد القراء، وعدم معرفتنا على وجه الدقة بمن قرأ مخطوط هذه الترجمة، يحدّ من إمكان إصدار أحكام واسعة عن تأثيرها المباشر. ومع ذلك تبقى مثل هذه الترجمات ذات أهمية كبيرة في تتبع التحولات المفهومية في العربية السياسية الحديثة. وهنا نرى مرة أخرى كيف تعمل الترجمة كمختبر للمفاهيم، إذ أن «الكيان السياسي» بوصفه «دولة» لم يكن مفهوماً مستقراً أو مدركاً على هذا النحو عينه في المراحل السابقة من التراث السياسي العربي والإسلامي. ولذلك فإن مقارنة هذه الترجمات بغيرها من الترجمات السياسية الأقدم تكشف تحولات عميقة في فهم السياسة. ففي الترجمات الأموية و العباسية للنصوص اليونانية، لا نجد مثلاً لفظ «الدولة» بالمعنى الحديث عند ترجمة أرسطو، بل ألفاظاً مثل «المدينة»، و«الأعمال المدنية»، و«السنة». وحتى عند حديث أرسطو عما نسميه اليوم «الأنظمة السياسية»، نجد المترجمين يعربون اللفظ اليوناني بعبارات مثل «الهيئة المدنية» أو حتى «الملة» لا «الدولة»، وهو ما يكشف اختلاف الأفق السياسي والمفاهيمي بين لحظتين تاريخيتين مختلفتين من تاريخ الترجمة والفكر السياسي.
هل كانت الترجمة مجرد مشروع ثقافي؟ أم جزءا من مشروع سياسي أكبر؟ أم أن كلاهما كان مكملا للآخر؟
لم تكن الترجمة مجرد مشروع ثقافي بالمعنى الضيق، أي مجرد نقل كتاب أوروبي إلى العربية طلباً للمعرفة أو الفضول الأدبي. بل كانت جزءاً من مشروع سياسي أوسع في زمن محمد علي، حيث ارتبطت حركة الترجمة ببناء الإدارة الحديثة، والجيش الجديد، وتكوين لغة عربية قادرة على استيعاب مفاهيم الحكم والسيادة والتنظيم السياسي. لكن في الوقت نفسه لا يصح فصل الثقافي عن السياسي هنا، لأن الثقافة نفسها كانت أداة من أدوات الدولة: فالترجمة والتعليم والطباعة لم تكن أموراً جانبية، بل كانت من الوسائل التي بها تُعاد صياغة المجتمع والإدارة والسلطة. ولهذا يمكن القول إن الأمرين كانا متكاملين: الترجمة مشروع ثقافي في ظاهرها، لكنها تعمل داخل أفق سياسي واضح، تفيده وتضفي عليه الشرعية. والمفارقة التي تحاول الورقة إبرازها هي أن ترجمة مكيافيلي كانت نافعة وخطرة في الوقت نفسه: نافعة لأنها تقدم لغة ومفاهيم للحكم الحديث، وخطرة لأنها قد تجعل منطق حكم محمد علي نفسه واضحاً أكثر مما ينبغي للقارئ، حتى ولو قل عدده، أي تجعل السياسة مقروءة ومفهومة لا مجرد ممارسة سلطانية مغلقة.
لماذا تعتبر اختيار اللغة العربية بدلا من التركية العثمانية نقطة مهمة جداً في فهم المشروع؟
تكمن أهمية اختيار العربية، لا التركية العثمانية، في أن الترجمة هنا لم تكن موجهة فقط إلى الدائرة العثمانية العليا أو إلى نخبة البلاط، بل إلى المجال المعرفي والإداري الناشئ في مصر نفسها. فالتركية العثمانية كانت لغة الإدارة العليا والبلاط والنخب العسكرية العثمانية، بينما كانت العربية لغة التعليم والترجمة والبيروقراطية الجديدة التي بدأت تتشكل مع مشروع محمد علي، وخصوصاً مع مطبعة بولاق والمدارس الحديثة وحركة الترجمة. ولهذا تشير الورقة إلى أن اختيار العربية كان يعني نقل أفكار مكيافيلي من نطاق عثماني محدود إلى أفق فكري عربي أوسع.
والأهم من ذلك أن ما ذكرته في الورقة من أن هناك ترجمات عثمانية تركية سابقة لمكيافيلي، ولذلك لم تكن الحاجة المعرفية وحدها هي السبب. الجديد هنا هو جعل هذه الأفكار «مقروءة» بالعربية، أي إدخالها في لغة الإصلاح والإدارة والسياسة التي بدأت تتكون في مصر الحديثة. ومن هنا جاءت حساسية المشروع: لأن ترجمة مكيافيلي إلى العربية هنا كانت نقلاً لمنطق الحكم نفسه إلى لغة أقرب إلى جمهور الإداريين والقراء والمتعلمين الجدد في مصر.
ويمكن هنا ذكر الحادثة المنسوبة إلى محمد علي نفسه، لأنها تكشف طبيعة العلاقة بين الترجمة والسياسة في ذلك العصر. فقد نقلت بعض الروايات الأوروبية أنه أمر بترجمة كتاب مكيافيلي ليعرف حقيقة ما يقال عنه، بل تذكر رواية أن فضوله بلغ حد طلب إرسال الصفحات إليه تباعاً كلما تُرجمت. ومع أن الروايات لا تصرّح بلغة الترجمة، فإن الأرجح، بحكم لغة الإدارة في بلاطه وبالنظر إلى قصور تكوينه العربي المبكر، أنها كانت بالعثمانية، أو أنها قُرئت عليه بواسطة بعض أهل البلاط. ثم نُقل عنه أنه، بعد النظر في جزء من الكتاب، وجده دون شهرته، وقال إن ما فيه أمور يعرفها من قبل. والأهم أنه قارنه بابن خلدون، معتبراً أن ابن خلدون أعمق وأنفع، بل أشد خطراً من مكيافيلي لو قيس الأمر بكيف منعت بعض مؤلفات مكيافيلي في أوروبا فإن ابن خلدون أولى بذلك!
وهذه الحادثة، سواء أخذناها حرفياً أو لا، تبين لنا أمراً مهماً: أن قراءة مكيافيلي لم تكن تعامل بوصفها مجرد مطالعة أدبية أو فلسفية، بل بوصفها معرفة مرتبطة مباشرة بالحكم والإدارة وبناء السلطة. كما أنها تدعم الفكرة الأساسية في الورقة، وهي أن اختيار العربية بالذات كان خطوة حساسة، لأن المشكلة لم تكن في وجود أفكار مكيافيلي داخل دوائر الحكم العثمانية، فهذا كان موجوداً أصلاً عبر الترجمات التركية-العثمانية، بل في جعل هذه الأفكار مقروءة ومفهومة داخل المجال العربي الناشئ في مصر الحديثة.
هل يمكن أن نقول أن ترجمة الكتاب للعربية كانت محاولة لصناعة نخبة سياسية جديدة في مصر؟ وماذا لو نُشرت ترجمة زخور بشكل واسع في ذلك الوقت؟ هل تعتقد أن التاريخ السياسي والفكري في مصر كان سيتغير في حالة مشابهة لاختراع الآلة الطابعة وانتشار الإصلاح الديني اللوثري في أوروبا القرون الوسطى؟
لو نُشرت ترجمة زخور على نطاق واسع في ذلك الوقت، فلا نستطيع الجزم بما كان سيحدث. لكن الورقة تسمح بقولٍ حذر: كان يمكن أن تجعل منطق حكم محمد علي أكثر وضوحاً للقراء، لأنها تنقل مكيافيلي بلغة عربية مفهومة نسبياً، وتكشف مفاهيم الجيش (الشعبي)، والسلطة، والعنف، وبناء الدولة، في لحظة كان فيها مشروع محمد علي نفسه قائماً على الجيش الجديد والمركزية والتوسع. ولهذا فالمشكلة لم تكن فقط في مضمون مكيافيلي، بل في أن ترجمته عربياً قد تجعل السياسة نفسها واضحة وبينة أكثر مما ينبغي.
لكن لا ينبغي أن نبالغ فنقول إنها كانت ستخلق فوراً حركة سياسية أو وعياً قومياً واسعاً، فالورقة نفسها تنبّه إلى حدود القراءة والجمهور، وإلى أن المخطوط لم ينتقل فعلاً إلى فضاء الطباعة العام. وهنا يفيد كلام إليزابيتا بنيغني، إذ ترى أن ترجمة مكيافيلي إلى العربية ساهمت في إدخال مفاهيم سياسية جديدة إلى المجال العربي الحديث، وأن هذا المسار المفهومي ارتبط لاحقاً بصعود القومية وحركات مقاومة الاستعمار في العالم الإسلامي. ومن اللافت هنا أن الترجمة العربية الثانية الشهيرة للأمير، وهي ترجمة محمد لطفي جمعة في أوائل القرن العشرين، ظهرت في سياق سياسي وفكري مختلف تماماً عن سياق محمد علي، أي في لحظة كان فيها سؤال الأمة والاستعمار والاستقلال حياً في المجال العربي. ولذلك، وإن لم يكن ممكناً الجزم بمسار تاريخي بديل، فيمكن القول إن نشر ترجمة زخور مبكراً ربما كان سيُعجّل دخول مكيافيلي في النقاشات العربية الحديثة حول الدولة والسيادة والاستقلال السياسي، لا بوصفه مجرد أداة للسلطة، بل أيضاً بوصفه يمثل لغة لفهم السلطة وكشف آلياتها وربما مقاومتها.
ذكرتم اختفاء الفصل الأخير من الكتاب من النسخة العربية؟ بماذا ارتبط الفصل الأخير وهل تعتقد إن حذفه كان مقصوداً؟ هل كان من الممكن أن تتحول الترجمة إلى مصدر إلهام سياسي أو حتى معارضة سياسية لو تم نشرها؟
نعم، الفصل الأخير من كتاب الأمير، أي الفصل السادس والعشرون، لم يُترجم في مخطوط زخور الباقي بين أيدينا. وهذا الفصل يختلف عن بقية الكتاب، لأنه ليس مجرد تحليل تقني لفنون الحكم وتدبير السلطة، بل هو دعوة حماسية ينادي بها مكيافيلي إلى «تحرير إيطاليا من البرابرة» وتوحيدها سياسياً. أي إنه الفصل الأعمق صلة بفكرة الوطن والتحرر والحماس السياسي في الكتاب كله.
ولا توجد لدينا وثيقة تثبت يقيناً أن حذف الفصل كان مقصوداً، وإن كان هناك تراث واسع يؤيد أن لا يتجاهل القارئ سهوات المؤلفين، فمع ذلك ينبغي الحذر وعدم تحويل الاحتمال إلى حقيقة تاريخية. إلا أنه من الصعب أيضاً تجاهل دلالة غياب أكثر فصول الكتاب شحنةً سياسية وعاطفية، خصوصاً وأن الترجمة كانت تتم في سياق شديد الحساسية في عهد محمد علي. وهنا تضيف إليزابيتا بنيغني ملاحظة مهمة، إذ تشير إلى أن هذا الفصل بالذات كان سيكون بالغ الدلالة إذا قُرئ في سياق صعود الأفكار القومية والإصلاحية في القرن التاسع عشر. ولذلك فإن غيابه يظل أمراً لافتاً، حتى وإن لم يكن ممكناً الجزم بسبب هذا الغياب أو المقصود منه. ولعل هذا ما يجعل المسألة أقرب إلى احتمال سياسي جدير بالتأمل، لا إلى حقيقة تاريخية نهائية يمكن القطع بها.
ولعلّه يجوز أن يُذكر هنا، على جهة الاحتمال المرجوح المسأنس به، لا على جهة التقرير التاريخي، أن هذا الفصل، لما اشتمل عليه من دعوة صريحة إلى رفع سلطان المتغلّب الأجنبي وجمع الكلمة في وحدةٍ سياسية جامعة، قد يكون مثيراً لوجهٍ من وجوه الحساسية والحرج في ذلك السياق المخصوص، أي سياق حكم مصر في عهد محمد علي. إلا أن القول بذلك عسير الإثبات، إذ يفترض سلفاً أن المعاني القومية التي تبلورت في طورٍ لاحق كانت قد استقرّت يومئذٍ على نحوٍ لا تؤيده الشواهد. والأولى أن يقال إن اختلاف هذا الفصل عن سائر الكتاب في نسقه الإنشائي التعبوي، وخروجه عن مقام النظر الفلسفي في السياسة إلى مقام الحثّ والاستنهاض، هو وحده كافٍ لجعل غيابه موضع تأمّل، من غير حاجة إلى تحميله دلالةً تاريخيةً لا تسندها الشواهد.
ما القصة التي قيلت على لسان محمد علي حول مقارنته لابن خلدون بماكيافيلي وما دلالاتها؟
هذه القصة تعرب لنا عن جوانب مهمة من تلك المرحلة ومن شخصية محمد علي باشا. أولاً، فهي تكشف أنه كان مهتماً بالاطلاع على أهم مصادر الفكر السياسي وتقنيات الحكم في عصره وفي العصور السابقة، كابن خلدون وماكيافيلي. وفي هذه المقارنة يقول هو، كما روى القنصل النمساوي في مصر، جوزيبي أتشيربي، في تقريره المنشور في مجلة Biblioteca Italiana، إن ابن خلدون عنده أخطر من مكيافيلي كمفكر سياسي! إلا أن المفارقة هنا هي أن محمد علي لم يمنع نسخ أو قراءة هذا المفكر «الخطير»، أي ابن خلدون، بل على العكس، علق ترجمة ذاك الكاتب الفلورنسي، مكيافيلي.
وهذا الخبر، إن صح، يظهر أمراً حاولت الورقة التنبيه عليه، وهو أن قراءة مكيافيلي في مصر في تلك اللحظة لم تكن معزولة عن التراث السياسي الإسلامي، بل جرت مقارنته مباشرة بابن خلدون. كما توحي الرواية بأن محمد علي، أو على الأقل الصورة التي رسمتها عنه هذه الرواية، لم يكن يرى أن «المعرفة السياسية الخطرة» حكر على أوروبا وحدها، بل كان يعتقد أن في التراث الإسلامي نفسه ما لا يقل خطورة وعمقاً في فهم الدولة والسلطة والعمران. ومن هنا فالقصة لا تتعلق فقط بمكيافيلي، بل أيضاً بكيفية فهم النخب الحديثة لعلاقتها بتراثها السياسي الإسلامي نفسه. ومن هذه الجهة، لم تكن هذه النخب بدعاً عن النخب السالفة في تاريخ المجتمعات المسلمة، فقد اعتاد العلماء والكتاب المسلمون مقارنة مفكريهم وحكمائهم بأعلام اليونان والفرس وغيرهم. ولعل أشهر مثال على ذلك تلقيب أرسطو عند الفلاسفة المسلمين بـ«المعلم الأول»، والفارابي بـ«المعلم الثاني» و المیرداماد بـ«المعلم الثالث»، في سلسلة فكرية واحدة تجمع الحكيم اليوناني بالفلاسفة المسلمين داخل أفق معرفي مشترك، لا بوصفهم عوالم منفصلة أو متصارعة. وكذلك في الآداب السلطانية والتواريخ، حيث قورن بعض الملوك والسلاطين المسلمين بالإسكندر المقدوني، بل قدم تيمورلنك في بعض الآداب الفارسية والإسلامية المتأخرة بوصفه «إسكندراً جديداً» أو امتداداً لنموذج الفاتح العالمي الذي مثّله الإسكندر. ولذلك فمقارنة ابن خلدون بمكيافيلي تبدو استمراراً متأخراً لهذا التقليد المقارن، لا قطيعة معه.
نشر في السنوات السابقة كتاب بعنوان “السياسة والحيلة عند العرب: رقائق الحلل في دقائق الحيل” وهو كتاب عربي سبق ماكيافيللي بقرن في الحديث عن أهمية الحيل و”الواقعية” في السياسة، فهل كانت أفكار كتاب “الأمير” جديدة على المنطقة العربية حينها؟
لا أظن أن أفكار مكيافيلي كانت جديدة تماماً على التراث السياسي العربي والإسلامي. بل لعل الخطأ الشائع هو تصور أن الواقعية السياسية، والكلام عن الحيلة، والقوة، وتدبير المُلك، إنما دخل إلى المنطقة لأول مرة عبر مكيافيلي. والكتاب الذي ذكرتموه، رقائق الحلل في دقائق الحيل، مثال جيد على ذلك، لكنه ليس المثال الوحيد، فتراث الآداب السلطانية ونصائح الملوك مليء بالكلام عن الحيلة، وتدبير السلطان، واستعمال الترغيب والترهيب، والعسكر، وتقلب الدول، وضرورات السياسة العملية، من ابن المقفّع وعنصر المعالي كيكاوس بن إسكندر، إلى الطرطوشي ونظام الملك، بل إلى ابن خلدون نفسه.
بل يمكن القول إن التراث الإسلامي والأوروبي المسيحي الذي كان مكيافيلي يعمل داخله اشتركا أصلاً في أشياء كثيرة، لأن كليهما خرج من عالم البلاطات والكتّاب والوزراء، ومن بيئة سياسية كلاسيكية كانت الفلسفة اليونانية فيها، بصورة أو بأخرى، حاضرة بوصفها مرجعاً أو أفقاً للفكر السياسي.
ومع ذلك، فحتى إن أخذنا القول المعروف بأن أميز صفة لفكر مكيافيلي هي واقعيته التي انتقد بها مذهب القدماء في السياسة، فإن بعض الكتاب المسلمين لم يكونوا أقل واقعية أو نقداً من مكيافيلي نفسه، بل ربما تجاوزوه أحياناً. فالإسكندر مثلاً يظهر عند مكيافيلي وعند كثير من كتاب السياسة مثالاً للسائس الحذر والفاتح العظيم، لكننا نجد عند أبي الفضل البيهقي (ت. 470 هـ) في تاريخه، وهو نفسه كاتب ديوان مثل مكيافيلي، نقداً عملياً وسياسياً لشخصية الإسكندر، وبياناً لِمَ لا يصلح أن يكون قدوةً للحكم من منظور تدبير الدولة والرؤية السياسية.
ولهذا فالمهم في ترجمة الأمير ليس مجرد «المحتوى» وحده، بل السياق التاريخي الذي دخلت فيه هذه الأفكار من جديد. وهنا تحاول الورقة الإشارة إلى فرق مهم: فالكثير من الترجمات والتلقيات السابقة في التراث الإسلامي جرت من موقع قوة وثقة حضارية وإمبراطورية، أما ترجمة مكيافيلي في القرن التاسع عشر فجاءت في لحظة شعور بالتأخر والضعف أمام أوروبا الصاعدة، وفي سياق مشروع تحديث وإصلاح عسكري وإداري. ولذلك فدلالة الترجمة لا تكمن فقط في «ما» تُرجم، بل أيضاً في «من أين» و«في أي ظرف تاريخي» جرت الترجمة نفسها.
شكرا على هذا النقاش، هل لديك كلمة أخيرة ترغب أن تختم بها الحوار؟
نعم، لعل من أهم ما تكشفه هذه المخطوطات وهذه الترجمة تحديداً هو حاجتنا إلى إعادة النظر في الطريقة التي ندرس بها تاريخ الفكر السياسي نفسه. فكثير من الدراسات العربية في هذا المجال لا تزال أسيرة لسرديات معينة، ولذلك فهي كثيراً ما تنتج فهماً ناقصاً، لا يفعل إلا إعادة إنتاج تلك السرديات نفسها. وهذه الممارسة، في النهاية، ليست ممارسة علمية ولا أكاديمية بالمعنى الدقيق.
ولعل الدرس الأهم هنا هو أن الأفكار ليست كيانات ثابتة خارج الزمان والمكان، بل هي أشياء تتحرك وتتغير وتُعاد صياغتها بحسب الظروف التاريخية والسلطة والسياقات الاجتماعية المختلفة. ومن هنا فإن هذه الورقة تحاول أيضاً مراجعة بعض السرديات المؤدلجة الشائعة، وعلى رأسها فكرة «عصور الانقطاع» أو «التخلف المطلق»، أي التصور القائل إن الفكر السياسي في المجتمعات المسلمة دخل في سبات طويل حتى جاءت «النهضة» الحديثة مع شخصيات مثل محمد عبده وجمال الدين الأفغاني ورفاعة الطهطاوي وقاسم أمين وغيرهم.
أما هذه الدراسات، ومنها هذه الورقة، فتحاول أن تدلنا على طريق آخر أكثر دقة وأقل تسليماً بسرديات قديمة؛ لأنها تكشف أن التفكير السياسي والترجمة والاشتغال بمسائل الدولة والسلطة لم ينقطع تماماً كما يُتصور أحياناً، بل استمرت بأشكال متعددة، وإن تغيرت لغاتها وسياقاتها. وهذه الترجمة نفسها ليست إلا غيضاً من فيض من المخطوطات والنصوص التي لا تزال تحتاج إلى قراءة ودراسة وتحقيق.
فدراسة تاريخ الفكر السياسي والفلسفة السياسية ليست بالضرورة نوعاً من النشاط السياسي المباشر، ولا وظيفة العلم أن يكون مجرد أداة لتغيير الواقع الآني. بل هذه الدراسات علم أولاً، والعلم من حيث هو علم ينبغي أن يطلب الفهم قبل إصدار الأحكام. إلا أن هذا لا يعني أن العلم منفصل عن الأخلاق أو عن فهم الذات؛ فمنذ أفلاطون إلى اليوم، كان طلب المعرفة مرتبطاً دائماً بالسؤال الأخلاقي والتربوي: كيف نفهم أنفسنا وتاريخنا والعالم الذي تشكلنا فيه؟
أي إن الأولوية هنا لسؤال فهم الذات والتراث قبل كل شيء. وبعبارة أخرى: لا يمكن لأمة أن تُصلح حاضرها، أو تفهم أزمتها، أو تطلب نهضتها، وهي جاهلة بتراثها مقطوعةٌ عن ذاكرتها التاريخية. فلا معرفة للذات بلا معرفة لما كوّن هذه الذات بكل ما فيه: من قوة وضعف، و رشاد وغي، و ازدهار وأفول، ومن نصوص وأفكار ومؤسسات وتجارب وصراعات. ولذلك، لابد من العودة إلى التراث، لا عودة التقديس الأعمى ولا القطيعة الجاهلة، بل عودة الفهم المستنير لإسترداد الصلة بالذات والتاريخ معاً.